قرأتُ
مقالات جوزف باسيل

حكاية عصامي من بعلبك صار مرجعاً دستورياً

مقدمة كتاب "حسن الرفاعي حارس الجمهورية" الذي سيصدر قريبا

ليست سهلةً الكتابة عن حسن الرفاعي، إذ رغم أنّ حياته بسيطة وواضحة، لا تعقيدات فيها، لكنّها تفترض المثابرة والدقّة من أجل التقاط تفاصيلها ومزاياها، منذ بدأ يتكون مثقّفاً حتّى صار مرجعاً دستورياً. وهي ليست سهلة إذا رَغِبْتَ في أن تطّلِع على آرائه الدستورية وتتابعها لأكثر من خمسين سنة، أي منذ انتخب نائباً عام 1968.

تختصر هذه المقدّمة مسيرة حياة وكفاح، ليست استثنائية، إلّا بقدر جدّية صاحبها وصدقه ومبدئيته وعلمه وثقافته واجتهاده. وفوق هذه كلّها لبنانيته الخالصة، وهي ميزته، واقتناعه بالديمقراطية الصحيحة أسلوباً للحكم لا يصلح غيره في لبنان.

مسيرة جهاد واجتهاد في الارتقاء إلى مستوى ثقافي رفيع بما تختزنه الثقافة من علم وقراءة وتذوّق للموسيقى الكلاسيكية وسِعَة أفق… تكوّنت منذ أن تتلمذ على أساتذة كبار في اللغتين العربية والفرنسية، وتحلّق حول كبار في البرلمان اللبناني، وتحلّقوا حوله حين صار نجماً فيه، ومرجعاً دستورياً.

بنى الرفاعي حياته مدماكاً مدماكاً، وسارها خطوةً خطوةً، بعصامية هي ميزة أجيال مكافحة دفعها التوق إلى الارتقاء بالاجتهاد في كلّ ما تقوم به، وإذا أمكن التمايز، ففيه بلوغ القمّة.

لم يكن الرفاعي راغباً في كتابة مذكّرات، لكنّه رضخ لفكرة وضع كتاب بأبرز محطات حياته ومواقفه الدستورية، بإلحاح من حفيدته لين، فأجرى تسجيلات صوتيّة لم تكن كافية ولا أرادها بصيغة سؤال وجواب، إنّما على نسق روائي، فأخذ الأستاذ أحمد عياش أمر الصياغة  على عاتقه بعد أن فُرِّغَت التسجيلات، ثمّ جهد في البحث والتجميع والتقميش في كلّ ما وقع عليه  بما يتعلّق بحسن الرفاعي، نائباً ووزيراً، في أرشيف الصحف ومحاضر مجلس النواب وقصاصات الصحف ومذكرات يوميّة من أيّام الجامعة، هي الوحيدة التي دوّنها الرفاعي أثناء دراسته الجامعية في دمشق. وتنكّب للمساعدة المحامي حسّان الرفاعي، ولم يدرك الاثنان تبعات ما أقدما عليه إلاّ لاحقاً، حينما أخذت تتراكم صعاب التأليف خلال العمل الذي استمر نحو خمس سنوات، وحتّى وضع اللمسات الأخيرة على الكتاب سنة 2017.

لكن هذا لايعني أنّ معدّي الكتاب اطلعوا على كلّ ما يتعلّق بالرفاعي، أو لم تَفُتهم ذكريات بقيت طيّ النسيان، وأوراق لم يُكشَف عنها، بدليل العثور على أوراق إضافية بعد الانتهاء من إعداد الكتاب، مثلاً: مشروع بيان كُلّف إعداده ليصدر باسم «جبهة العمل الوطني» سنة 1976، التي أعلنت من بيت ريمون إدّه، مكتوبٌ بخط اليد. ونصّ كتاب تلقّاه الرفاعي من تجمّع العائلات البيروتية تقديراً لمواقفه في مجلس النواب سنة 1980. ونصّ محضر جلسة عقدها الرفاعي مع ديبلوماسي أميركي رفيع في واشنطن أثناء وجوده عند ابنه زياد في الولايات المتّحدة سنة 1986 في طريقه إلى مؤتمر برلماني في أميركا الجنوبية (ننشره في بداية الفصل السابع من الكتاب)، إضافةً إلى مستندات كثيرة أخرى.

أمّا الكنز النفيس فكان في مستندات وقصاصات صحف وُجدت في حقيبة الرفاعي الشخصية التي كان يحملها غالباً إلى اجتماعاته في مجلسي النواب والوزراء، وبعدها إلى الطائف.

فَصَلَ الرفاعي نفسه عن هذا العمل الشاق، لكنّه كان يطّلع لاحقاً على فصول الكتاب، بأن أخذ نجله حسان على عاتقه أن يقرأ له ويناقشه في ما روى سابقاً أو سجّل على كاسيت، أو دوّن، إضافة إلى ملاحظات وضعها على هامش الكتب. وكانت هذه المناقشات ضرورية للتوضيح والتدقيق. كما كانت ديمة ابنة الرفاعي المقيمة في باريس، تراجع النصوص وتقرأها لوالدها وتعلّق عليها، كلّما زارت لبنان.

حينما اطّلع الرفاعي على ما كُتب اعترض على بعض ما نقلناه بحرفيّته من الصحف وحتّى على وقائع لم يعد يذكرها، ولكنّنا فضّلنا الإبقاء على بعضها استناداً إلى أخبار هذه الصحف، رغم أنّنا لم نتمكّن من التدقيق في صحّتها.

حين باشرتُ المشاركة في إعداد هذا الكتاب كانت فصول السيرة والنيابة والوزارة ومحاولة الاغتيال قد وُضِعَت في شكلها الأوّلي. سنتان خاض فيهما حسّان وأحمد غمار بحر من المعلومات، والحيرة تسيطر عليهما في ما ينتقيان، والشك يُغالب اليقين في أنّ الكثير سقط، فأُسقط معه جزء من تاريخ الرجل.

أمّا أصعب مراحل الصياغة فكانت تلك العائدة إلى شرح أفكار الرفاعي في موضوع اتفاق الطائف وما تلاه من تعديلات دستورية، إذ كيف في وسعنا صياغة الأفكار بدقّة وليس بيننا مختص بالقانون الدستوري. أدّيت دور السّائل والمُستفهم، وأحياناً المُعترض، ناقلاً وجهة نظر أكثرية من السياسيين ومن الناس، عن الطائف. وحاور حسّان والده ناقلاً إليه التساؤلات والاستفهامات، وحتّى متلبّساً دور «محامي الشيطان» في وجه آراء ونظريّات والده محاولاً التوصل إلى الفكرة الواضحة المحصّنة بالاجتهادات. بعدها كان حسّان يعود ليختبر قوّة ما توصّل إليه ومتانته، عبر نقاشات نُجريها معاً، كانت تطول، ولكنّها قطعاً شيّقة.

نتيجة مشاركتي المضنية والممتعة في آن في صوغ فصل الطائف وإخراجه بحلّته النهائية، يمكنني القول إنّ أكثر ما لفتني هو شروحات الرفاعي عن النظام الجمهوري الديمقراطي البرلماني، وعن دستور لبنان لسنة 1943 التي من دونها لا يمكن فهم إصلاحات الطائف. واضطرتنا هذه المناقشات إلى الاطلاع على كتب اهتمّت بموضوع الطائف، خصوصاً ممن شاركوا فيه أو وضعوا تصوّرات لحلول قبل انعقاده، فقرأنا للرئيس سليم الحص وجورج سعادة وألبير منصور وإيلي سالم وأنطون سعد في كتابه «السادس والسبعون» الذي يروي فيه سيرة البطريرك صفير، وأخيراً لأسعد شفتري.

ولم ينتهِ الكتاب، إلاّ واحتدم النقاش وتشعّب في عنوانه، هل يكون من سطر أو سطرين، بسيط أو مركّب، عام أو خاص، يصف صاحب السيرة أو مضمون الكتاب، يعبّر عن الحالة أو الشخص، يلفت إلى الصفة الدستورية لصاحب السيرة كمرجع فيها، أو إلى أنّه نائب ووزير. وإذا التفتنا إلى مرجعيته أَنحصرها بفصل الطائف الأهم في الكتاب؟ الأهم في رأيي، وربّما يشاطرني فيه آخرون. واستمرّ النقاش في العنوان إلى ما بعد الانتهاء من تصفيح الكتاب، إلى أن لمعت الفكرة أخيراً، خصوصاً بعد أن وضع جوزف مايلا التقديم، فجاء عنوان «حارس الجمهورية» ليعبِّر عن دور الرفاعي في الحياة السياسية والدستورية.

البدايات

لا تختلف سيرة حسن الرفاعي في بداياتها عن سيرة أي إنسان عادي دُفع إلى التعلُّم في الثلث الأوّل من القرن العشرين. وكانت مدرسة الحكمة إلى جانب العلم والثقافة تعتمل فيها الأوضاع السياسيّة في مرحلة مخاض الاستقلال مطلع الأربعينيات، وكان بين أساتذتها رجال ذوو دور في الشأن العام والسياسي، وهذا ما عمّق ثقافة الرفاعي الأدبية والفلسفية، وتفتّحت عيناه على الوعي السياسي.

توفي الوالد سنة 1944، وحسن في سنٍّ يُناهز الحادية والعشرين لم ينهِ صفّ الفلسفة، فضاقت به الدنيا، كما ضاقت بالعائلة سُبُل العيش، بعد أن كان الوالد يؤمّن حاجياتها، وصرفت من مخزونها وبَيْعِ أملاكها.

وتبدّى ضيق الحال حين أنهى الرفاعي دراسة الحقوق وأراد أن يتسجّل في الجدول النقابي، فاضطُر إلى بيع كرم عنب هو آخر ما تملكه العائلة. ولأنّ مردود المحامي في بدايته يكون قليلاً بخاصّةٍ أثناء التدرّج، أغراه السفر إلى البرازيل عند قريبته فاطمة، لكنّه فوجئ بأنّ الواقع لا صلة له بالإشاعة.

دفعه الإخفاق في البرازيل في مغريات العمل، وإغراء الزواج، إلى الذهاب مباشرة من المطار إلى منزل آل العريسي لخطبة ابنتهم التي كانت تراسله خلال فترة تغيّبه عن لبنان.

رتّبت عليه الخطبة مسؤوليات إضافة إلى مسؤوليته عن أهله. لكنّ الأحوال انفرجت أمامه، إذ أنهى سنتَي التدرّج في المحاماة، وصار في الاستئناف، ثمّ موظفاً في وزارة الأشغال العامّة والموارد المائيّة والكهربائيّة رئيساً لقسم القضايا فيها. استمر سبع سنوات تملّك فيها ناصية القانون الإداري الذي انكبّ على التبحّر فيه بحكم وظيفته تقدّم بعدها باستقالته من الوظيفة تمهيداً لممارسته مهنة المحاماة.

كان عام 1960، منطلقاً جديداً في حياته، حين فتح مكتباً للمحاماة خاصاً به، متخصصاً في القضايا الإدارية، ولم يكن هذا التخصص رائجاً ولا مستحبّاً لدى المحامين.

تفاقمت الضائقة المادية خلال سنوات الحرب، مع مسؤوليات العائلة التي تكبر وأقساط الجامعات، حتّى أنّه تحت ضغط تراجع العملة اللبنانية أمام الدولار عامي 1988  – 1989، بحيث صارت مرتّبات الموظفين لا تتجاوز بضع عشرات من الدولارات، ما اضطّرَه إلى أن يعرض للبيع ثلاث لوحات فنية كانت في منزله، إحداها قيّمة وعزيزة عليه، وهي لوحة الجِمال في الواحة، للفنّان اللبناني التشكيلي الكبير عمر أنسي، وقيل إنها تمثّل اتحاداً لسبع دول عربية قبل تأسيس جامعة الدول العربية.

البرلماني الديمقراطي

تقصّد الرفاعي أن لا يكون نائباً عاديّاً منذ دخل الندوة البرلمانية عام 1968،  عملاً بنصيحة خاله مصطفى الذي سبقه إلى النيابة عن المركز السني في بعلبك، إذ قال له «إنّ النواب في البرلمان كتلامذة المدرسة، والويل لمن يُظهر الضعف».

والرفاعي مقتنع بالنظام الجمهوري البرلماني الديمقراطي الذي اعتمده لبنان، معتبراً أنّه أفضل نظام لتمثيل المجموعات الطائفية فيه. واقتناعه بهذا النظام جعله يتبنّى موقفاً خاصاً من إلغاء الطائفية السياسية يتقاطع مع موقف البطريرك مار نصرالله بطرس صفير بقوله بوجوب إلغاء الطائفية من النفوس قبل النصوص، فيما يقول الرفاعي بالتريّث حتى يتبلوَر شعور المواطنة عند السياسيين والمواطنين، وهذا ما لم يحصل حتى الآن.

وزارة الوزاراتألغيت

ربّما ما كان الرفاعي ليصل إلى الوزارة لولا انقسام لائحة صبري حمادة على نفسها سنة 1973 فصار جائزاً أن تُمثّل بوزيرين. ولو أنّه انتظر الوزارة من رؤساء الحكومات المتعاقبين لما نالها، لأنّهم ما كانوا سيوزّرون سنياً من بعلبك – الهرمل بدلاً من إحدى المدن الثلاث الكبرى، ففي إطار التوزيع الطائفي للمناصب الوزارية والإدارية تضيع الكفاية والكفاءة، وتنتفي المساواة.

تسلّم وزارة التصميم التي يقبلها الوزراء على مضض كونها وزارة ثانوية في نظرهم، فجعل منها وزارة الوزارات، وهي فعلاً كذلك، إذا ما اضطلع وزيرها بمهماتها، وأهمها دورها الرقابي على الوزارات من خلال الإشراف على إعداد موازناتِ كلٍّ منها. ولكنها أُلغيت بعد سنتين من تسلّمه زمامها.

حاول في وزارة التصميم أن يقترح مشاريع وطنية كبيرة، وأن يسوّق لها ويطلب المساعدة من الدول الكبرى، ومن أبرز مشاريعه إنشاء دار للأوبرا ومتحف للفنون الجميلة، لكنّ هذه الأفكار الخلاّقة والإبداعية غالباً ما كانت تصطدم بأصحاب العقول المتحجّرة، أو النفوس الصغيرة، فلا يفسحون المجال للفنون والجمال. وهكذا وُئِدَ المشروعان في مهدهما.

خصومة ودودة مع أركان الطائف

توّج الرفاعي حياته الدستورية بموقفه من وثيقة الطائف ورفضه تعديلات أُدخلت على دستور 1943، رأى فيها هرطقة قانونية، فامتنع عن المشاركة في اجتماعات مدينة الطائف في المملكة العربية السعودية، وتمنّع عن التصويت على إقرارها في الجلسة النيابية التي انعقدت في مطار القليعات في لبنان. ولاحقاً عقد مؤتمراً صحافياً أورد فيه مآخذه على التعديلات الدستورية… لكنّه بعدما صارت دستوراً تعامل معها باحترام، دون أن يتخلّى عن حقّه في انتقادها بنتائجها السياسية وممارسات رجال السلطة التي زادتها أخطاء على أخطاء، وسوءاً على سوء، لأنّها تخالف مقولة بسيطة كتبها الدستوري الفرنسي ليون دوغي، وسار الرفاعي في هديها مقوّماً رجالات السياسة عندنا، وفحواها: «ليس للقانون الدستوري أي ضابط إلا حسن نيّة وأمانة الرجال الذين يطبّقونه…».

وتبدّت مآخذ الرفاعي على الطائف بقوله إنّ التعديلات التي طالت آليات عمل السلطة التنفيذية، «تُظهر أنّ النظام الذي أُقرّ في الطائف أصبح تركيبة عجيبة غريبة أقرب إلى نظام مجلسي مشوّه يبتعد عن مبادئ النظام الجمهوري البرلماني». ويبدو أنّ غالبية عورات وثيقة الطائف تعود لما أخذته من «الاتفاق الثلاثي» الذي وُقّع بين الأحزاب في سوريا ولمصلحة دورها في لبنان، وأسّس لسلطة تنفيذية معطّلة من داخلها بحكم آليات اتّخاذ القرارات فيها.

خمسون سنة في الشأن العام

حافظ الرفاعي على تفكيره السياسي طوال خمسين سنة من العمل في الشأن العام، فلم يغيّر رأيه في أن يكون رئيس الجمهورية مارونياً وأن يمارس سلطته ضمن صلاحيات محدّدة، وأفضل الطرق أن يمارس الحكم بالتزام الأعراف البرلمانية.

ورأى أنّ الاستشارات النيابية التي كان رئيس الجمهورية يجريها عُرفاً دون أن ينصّ عليها الدستور، إذا صارت «مُلزمة» في نتيجتها تحلّ مشكلة المشاركة في الحكم التي كان رؤساء الحكومات يطالبون بها كلّما خرجوا من السلطة. وهو أوّل من اقترح الإلزام فيها.

ورفَضَ ما يُشاع من أنّ صلاحيات رئيس الجمهورية «ضعُفت» بعد الطائف أو قُلِّصت، لأنّه ما زال رئيساً للسلطة الإجرائية، وإذا قيل إنّ السلطة صارت في مجلس الوزراء، فالجواب هو إنّها كانت قبل الطائف في مجلس الوزراء.

وحين حلّت المهلة الدستورية للاستحقاق الرئاسي عام 2014 لم يتورّع عن تقريع الموارنة خشية أن يحلّ الشغور في موقع الرئاسة، وعبّر عن غصّة شعر بها، لأنّ الزعماء والسياسيين يعطّلون الانتخابات، ورأى أنّ على مجلس النواب أن يلتئم لانتخاب الرئيس، لأنّه ملزم بالالتئام.

وأخذ على الموارنة أنفسهم أنّهم يخشّون الرئيس القويّ ويمنعون وصوله، ويضرب مثلاً العميد ريمون إدّه الذي «كان السنّة والشيعة يريدونه رئيساً، لكنّ الموارنة حاربوه». وحذّر الموارنة مراراً من أنّ عدم اتفاقهم يُضعفهم ويمنع وصول رئيس قويّ، لذلك صرح لـمجلة «الأسبوع العربي»: «إنّ الموارنة يضيّعون فرصتهم التاريخيّة. قد يختلفون في أمور عدة، وهذا حقهم الطبيعي، وأنا أقول لهم «اختلفوا قدّ ما بدكم»، لكن عندما يصل الأمر إلى موقع رئاسة الجمهورية عليكم أن تتوحّدوا. عودوا إلى الوراء قليلاً واقرأوا في كتب التاريخ كيف كانت تُجرى انتخابات رئيس الجمهورية في لبنان في موعدها. لم يحصل أن سقط موقع رئاسة الجمهورية معقل الموارنة في الفراغ، فلماذا يسمحون بحصوله اليوم؟ (في إشارة إلى ضرورة تأمين النصاب القانوني) فليضعوا خلافاتهم جانباً ويتّفقوا على مستقبل لبنان وكيانه، وإلا فإنهم يوقّعون على نهاية البلد بأيديهم».

وأضاف: «حذارِ أن يضيّع الموارنة والبطريركية لبنان. ومجرّد أن يتلقّف الآخرون هذه النهاية سيعملون على طردهم، حتى المجتمع الغربي لن يأبه لأمرهم، وهو سيقول لهم إنه سلّمهم الأمانة منذ عام 1920 فماذا فعلوا بها؟ فليتّفقوا قبل فوات الأوان، عندها لا يعود أحد قادراً على «قلعهم» من أرضهم ولا يعود لكلّ المؤتمرات التي تُعقد على شرف مسيحيّي المشرق أهميّة. لأنّه مجرّد أن يتّفق موارنة لبنان ويكون على رأس الدولة رئيس جمهوريّة مسيحي ماروني قويّ وصاحب مواقف وطنيّة وشخصيّة فذّة غير قابلة للأخذ والردّ يكون مسيحيّو الشرق بأمان، ولا أحد يمكن أن يلغيهم يوماً». وما حرص الرفاعي على الموارنة إلّا من حرصه على لبنان.

اللبناني الأصيل

نحا الرفاعي باستمرار نحو لبنانية خالصة، توجُّهاً وعملاً، أثبتها في حياته الشخصيّة، وفي مسيرته في الشأن العام، فهي قائمة على تربية عائلية تأبى التمييز بين الناس في الدين الذي أوّله المعاملة. كما أكسبه التعلّم في مدارس وجامعات منفتحة على ثقافات الغرب، فضيلة المعرفة والإدراك أنّ التنافس بالعلم يجلو أي اختلاف آخر، وأنّ مَن لا يُفحمه العلم لا قدرة على إفحامه. تثبيت لبنانيّته لا تعني إطلاقاً تنكّراً لعروبته التي هي أصل ثابت لا انسلاخ عنه، ولا تطفو إسلاميته في أي مناسبة، لأنّه لا يربطها بالشأن العام في أي قضية، حتّى وإن كانت الطائفية تطفو على القضايا السياسية.

لبناني أصيل لا يميّز في لبنانيته، إلاّ في خدمة لبنان، ويفترض نفسه لبنانياً أكثر من كثيرين يدّعون لبنانيتهم ولا يمارسونها حقاً. تتبدّى ميزة الرفاعي في مواطنية شفّافة عبّر عنها في مواقفه التي تجاوزت البعد الطائفي إلى البعد الوطني العام. غلّب دائماً مناصرة المظلوم على الظالم، والمدافعة عن الضعيف في وجه القويّ، ومؤازرة الفقير لينال حقّه من الغني، وإن لم يتقاضَ أجراً، حقّاً له، بصفته محامياً، كما حين دافع عن المعلّمين المصروفين عام 1972 أيام حكومة صائب سلام، وعن الموظفين «المطهّرين» عام 1993، في أوّل حكومة حريريّة، أو عن أستاذة في الجامعة اللبنانية هاجمت مصلحة حماية المستهلك لدى وزارة الاقتصاد التي وقفت مع التاجر ضد المواطن في أوائل السبعينيات…!

كما تتبدّى مواطنيته حين يكون سنيّاً إذا لحق الغُبن بالسنّة، وشيعيّاً إذا نزل الحرمان بالشيعة، ومارونيّاً إذا افتُئت على الموارنة، وأرثوذكسياً أو كاثوليكياً أو درزيّاً… إلخ، إذا تجنّت الطوائف الكبرى على الصغرى. وهو في كلّ هذه الحالات، ليس سنيّاً أو شيعيّاً أو مارونيّاً، أو من أيّة طائفة أخرى، بل لبناني صرف، تسيّره لبنانيته إلى حيث مَكمن الخلل والوهن، فتجعله وطنياً في مواجهة الطائفيين وعلمانيّاً في مواجهة المتمذهبين، وعروبيّاً ضد الانعزاليين. ولعلّ مواقفه التي نعرض لها في هذا الكتاب تجلو شخصيته ببعدها الوطني الحقيقي.

ربما يشعر القارئ، كما شعرت أنا، أنّ هذا الرجل – المرجع لم ينل حقّه من التقدير والتكريم في حياته، وقد يخالج هذا الشعور حسن الرفاعي، فهو فعلاً مستحق.