قرأتُ
مقالات جوزف باسيل

جانغ جين سونغ يروي طرائف “القائد العزيز”

ومحنة الشعب الكوري الشمالي الحياتية والانسانية

لاضرورة لتحديد أساليب الانظمة الديكتاتورية القمعية فهي معروفة من خلال نظم عبرت في التاريخ ومازال بعضها موجوداً حتى في محيطنا، لكن ما نعرفه عن هذه الانظمة هو جزء يسير من ارتكابات النظام في كوريا الشمالية التي تطاول الشعب كله، وأقل ما يقال تجويع الشعب، فحتى أعتى النازيات والفاشيات لم تبلغ هذا المبلغ.

يتصرف الشعب الكوري الشمالي بخنوع،كأنه ليس أمام حاكم، بل أمام القدر، فالسلالة الحاكمة كالقضاء والقدر تنزل على رؤوس الشعب،هل هو مقتنع؟ تفهم من سياق سيرة هروب جانغ أنَ الشعب  ليس مقتنعاً اقتناعاً عقلياً لكنه يفترض بسبب التعتيم الشامل (بما فيه انقطاع الكهرباء) أنّ كل حكام العالم على شاكلة حكامه، وأنّ كل دول العالم كدولته،لا يعرف نماذج تجعله يميّزأو يفكر أو يختار.

بسبب سياسة الاخضاع والتجويع والتعتيم وبث الكراهية والحقد ضد الآخرين يفترض الشعب أنّ الدنيا – اذا افترض وجود دنيا خارج بلده!- هي على المنوال الذي يعرفه. ينطبع في ذهنك أنه في عزلة كقبائل غابات الأمازون،منقطعاً عن العالم الخارجي، ولا يعرف منه إلاّ ما يفترض به معرفته.

كان جانغ- جين سونغ يشغل أحد المناصب العليا في الجهاز الدعائي في كوريا الشمالية، عاملاً على إحكام قبضة النظام في شعبهز ومن المهمات الموكولة إليه تطير اسطورة تأسيس كوريا الشمالية، متنكراً بشخصية كوري جنوبي مثقف، ووضعاً قصائد ملحمية دعماً للديكتاتور كيم جونغ- ايل. جانغ شاب طموح ضمن له عمله الوطني مقابلة غير مألوفة مع زعيم البلاد فمنحه مكانة مميزة كأحد “المعترف بهم”، بما يعني مؤناً خاصة من الطعام وترخيص مرور وحصانة من المقاضاة والتعرض للأذى،وكان عليماً بأسرار الدولة،بما فيه الأسرار العسكرية والديبلوماسية وتنفيذ حملة “التدقيق” بطريقة مدمّرة، والمقام الحقيقيلأحد الرجال المراوغين والأكثر قوة في البلد، ايم تونغ-اوك. وبما أنّ “القائد العزيز”أثنى عليه،لم يكن يملك سبباً لعدم الشعور بالرضى بما يتوافر له من رفاهية وأمان.

ولكنه لم يتمكّن من تجاهل ضميره أو التفاوت بين حياته وحياة أولئك الذين رآهم يتضورون جوعاًحتى الموت في الشوارع. فبعد خرق القواعد الأمنية اضطر سونغ الى الهروب مع صديق مقرّب حفاظاً على حياته، هرب بعيداً عن الاكاذيب والخداع الى الحقيقة والحرية.

لايستطيع أحد أن يفهم الشعور بالذل والانسحاق في أنظمة كهذه، إلاّ اذا قرأ هذه السيرة، واذا توقف عند مهزلة من مهازل”القائد العظيم”،مثلاً:”كلما نقلت كلمات كيم في أمر أو رسالة أو شهادة تقديريجب على المتكلم أن يقف في حالة تأهّب ويحرص على أن يكون مظهره محترماً كما يجب، وبذّته الرسمية لا عيب فيها وأزرار قميصه مزرّرة بشل لائق”.

يعيش القائد العظيم على جزيرة منعزلة بعيداً عن شعبه. لقد منع السيارات البيضاء لأنّ لونها كخلفية العلم الوطني لليابان ! ومن مآثر كوريا الشمالية أنّه”بهدف تمسّك مجالات التعبيرالفردي بايديولوجية مشتركة، يضع قسم الدعاية والتحريض التابع للحزب حدوداً صارمة للكلمة المكتوبة والمحكية”.

وتنزل عقوبة الاحالة الى معسكرالاعتقال بكل اولئك المسؤولين عن السماح لعمل منحرف بالأنزلاق عبر الشبكة.هناك اسلوبان للكلام مختلفان: اسلوب مرتبط بالقائد واسلوب لبقية الناس.يقول:”لم أكن اعرف سوى الوفاء للقائدالأعلى، معتقداًأنه الاحساس الأكثر روعة الذي يمكن إنساناًالشعور به. ولكن هذه القصائد(ديوان بايرون الشاعر الأنكليزي) دليل على امكان اختبار الاحاسيس على نطاق شخصي لا يشمل القائد”.هل هناك سذاجة شخصية أكثر من ذلك، وهو من النخبة، فكيف هي حال العامة؟

الوفاء للقائد العظيم مطلوب في الحياة حتى النهاية، وفي الموت ايضاً،اي بعض الموت!” كان يتعين على الكوادر توقيع قسم وفاء لكيم جونغ-ايل عندما يكونون على وشك الموت، مقسمين على استمرار وفائهم الصادق بعد موتهم”. تمارس الدولة الثورية الطبقية المطلقة على الطريقة الأثينية قبل ثلاثة آلاف سنة، فأنت مضطر الى اعتماد الاصطفاف بحسب مرتبتك: كوادر الدولة، القوات المسلحة، السكان العاديين. بصفتك من الكوادرلا تقف في الصف، بل تجلس في غرفة جانبية(صالون الشرف).

توزع الدولة الحصص الغذائية وحجمها يشير الى الطبقة الاجتماعية، والمؤن الطازجة كل صباح من شاحنة مبرّدة للقلة المكرمة، والبعض ينال حصته كل ثلاثة أيام أو أسبوع أو شهر، ويختلف طعام الحصة بين فئة وأخرى. وحصل إن انهار نظام التوزيع عام 1994 .المعلومات التي احتواها الكتاب صادمة للمشاعر، لايمكن كشفها إلاّبواسطة شخص عالي الرتبة يعمل ضمن النظام. إنّ ضيقه بالوضع وشعوره بانسانيته بعدما سمح له موقعه بالاطلاع على أداء الآخرين، شجعاه على المجاهرة بما اعتبره واعياً، انتقاصاً من حقوق الشعب الكوري الشمالي وانسانيته.وما كان ذلك متاحاً لو لم يختر الحرية على الخبز والسلطة.

جوزف الياس باسيل